النويري

186

نهاية الأرب في فنون الأدب

الخبر إلى معاوية فطوى عليه واحتال في فداء الرجل . فلما وصل اليه سأله عن أمره مع صاحب القسطنطينية وعن اسم البطريق الذي وكزه ؛ فلما عرفه أرسل إلى رجل من قوّاد صور [ 1 ] الذين كانوا قوّاد البحر ممن عرف بالنّجدة وغزو الروم ، وقال له : أنشئ مركبا يكون له مجاديف في جوفه ، واستعمل السفر إلى بلاد الروم ، وأظهر أنك إنما تسافر لبلادهم على وجه السرّ والاستتار منا ، وتوصّل إلى صاحب القسطنطينية ومكَّنه من المال واحمل إليه الهدايا والى جميع أصحابه ، ولا تعرض لفلان ( يعنى الذي لطم الرجل القرشىّ ) واعمل كأنك لا تعرفه ، فإذا كلَّمك وقال لك : لأىّ معنى تهادى أصحابي وتتركنى ، فاعتذر إليه وقل له : أنا رجل أدخل إلى هذه المواضع مستترا ولا أعرف [ إلا [ 2 ] ] من عرّفت به ، فلو عرفت أنك من وزراء الملك لهاديتك كما هاديت أصحابك ، ولكني إذا انصرفت إليكم مرة أخرى سأعرف حقك . ففعل القائد ذلك . ولما انصرف إليهم ثانية هاداه وألطفه [ 3 ] وأربى في هديته على أصحابه ، ولم يزل حتى اطمأن إليه العلج . فلما كان في إحدى سفراته قال له البطريق : كنت أحبّ أن تجلب إلىّ من بلاد المسلمين وطاء ديباج يكون على ألوان الزهر ؛ قال : نعم . فلما انصرف أخبر معاوية بما طلبه البطريق ؛ فأمر له ببساط على ما وصف ، وقال : إذا دخلت وادى القسطنطينية فأخرجه وابسطه على ظهر المركب وتربّص في الوادي حتى يصل الخبر إلى ذلك العلج ، وابعث له في السرّ وتحيّن خروجه إلى ضيعته التي له على ضفّة وادى القسطنطينية ، فإذا وصلت إلى حدّ ضيعته فابتدئ بها ، لعلّ يحمله الشره على الدخول إليك ؛ فإذا حصل عندك في المركب فمر الرجال بإشارة تكون بينك

--> [ 1 ] صور : مدينة عظيمة وكانت ثغرا من ثغور بحر الشام . [ 2 ] تكملة نرى أن استقامة الكلام تتوقف عليها . [ 3 ] يقال : ألطفه بكذا إذا برّه به .